هدهد سليمان والقيادة المدرسية: كيف يصنع القائد النجاح حين يُحسن الاستماع لفريقه؟ بقلم الخبير التربوي: عبدالعزيز القرعاوي
في كثير من البيئات التعليمية والإدارية، يظن بعض القادة أن الحكمة والخبرة لا تأتي إلا من أعلى الهرم التنظيمي، وأن الرؤية لا تكتمل إلا من مكتب المدير. غير أن القرآن الكريم يقدّم لنا نموذجاً قيادياً ملهماً في قصة هدهد سليمان عليه السلام، يفتح آفاقاً واسعة لفهم القيادة الناجحة وإدارة المؤسسات التربوية بوعيٍ وحكمة.
تبدأ القصة بمشهد إداري لافت، حين قال الله تعالى:
﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾.
لم يكن سليمان عليه السلام قائداً غائباً عن الميدان، ولا مكتفياً بالتقارير المكتبية، بل كان يمارس التفقد والمتابعة بنفسه. وهنا أول درس قيادي مهم: القائد الحقيقي لا يكتفي بما يُرفع إليه، بل يرى الواقع بعينه ويقرأ التفاصيل بنفسه.
في المدرسة، لا يكفي أن يعتمد القائد على التقارير والاجتماعات الرسمية؛ بل إن المرور على الفصول، والحديث مع المعلمين، ومتابعة تفاصيل البيئة التعليمية، يكشف فرصاً للتطوير لا تُرى من خلف المكتب.
ثم يلفت النظر أمر آخر؛ فقد لاحظ سليمان غياب الهدهد وسط جموع كبيرة، فقال:
﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾.
القائد الناجح يعرف فريقه، ويلاحظ غياب عناصره المؤثرة. فالمؤسسات المتميزة لا تُدار بالأرقام فقط، بل بالعلاقات المهنية والإنسانية أيضاً. والمعلم أو الموظف الذي يشعر أن قائده يعرفه ويقدّر دوره، يزداد انتماءً وعطاءً.
ومن أعظم الدروس القيادية في القصة، أن سليمان عليه السلام ـ رغم مكانته وسلطانه ـ لم يُصدر حكماً متسرعاً، بل أعطى فرصة للتوضيح، واستمع للهدهد حين عرض مبرراته ومعلوماته.
وهنا تتجلى قيمة قيادية عميقة: الاستماع قبل الحكم.
كم من فكرة تطويرية في المدرسة جاءت من معلم جديد؟ وكم من فرصة تحسين ظهرت من ملاحظة مشرف أو إداري ميداني؟ إن المؤسسات التي تسمع لصوت الميدان غالباً ما تكون أكثر قدرة على التطوير والاستدامة.
ولعل من أروع ما في القصة أن الهدهد قال لسليمان:
﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾.
وهو درس تربوي وإداري بالغ الأهمية؛ فالقائد مهما بلغت خبرته لا يمكن أن يحيط بكل شيء. ولذلك فإن بناء فرق عمل ذكية، وتشجيع المبادرات، وإتاحة مساحة للتغذية الراجعة، من أهم أسرار النجاح المؤسسي.
لكن القصة لا تتوقف عند نقل المعلومة؛ بل تظهر قيمة أخرى مهمة، وهي التحقق قبل اتخاذ القرار. فقد قال سليمان:
﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
إن القيادة الرشيدة لا تنجرف خلف الشائعات، ولا تبني قراراتها على الانطباعات العابرة، بل تعتمد التثبت والتحقق والموضوعية.
في النهاية، لم تبق المعلومة خبراً، بل تحولت إلى خطة عمل ورسالة وإصلاح وتغيير.
وهنا يظهر جوهر القيادة التربوية الحقيقية:
ليس النجاح في جمع المعلومات، بل في تحويلها إلى أثرٍ تعليمي وتربوي مستدام.
ولعل من أجمل ما نتعلمه من هدهد سليمان أن الإبداع قد يأتي أحياناً من أصغر عضو في الفريق، وأن القائد الملهم هو الذي يعرف كيف يستمع، ويحتوي، ويوجه، ويستثمر الطاقات.
في مدارسنا ومؤسساتنا التعليمية، قد لا يكون صاحب الفكرة الكبرى هو الأعلى منصباً، بل الأقرب للميدان والأكثر التصاقاً بالتفاصيل. والسؤال الذي ينبغي
تعليقات
إرسال تعليق